محمد حسين الذهبي
574
التفسير والمفسرون
به من بدع المبتدعين ، لأنه ضرب من إنكار السحر ، وقد جاء القرآن بصحة السحر ، فانظر كيف ينقلب الدين الصحيح . والحق الصريح في نظر المقلد بدعة ، ونعوذ باللّه . يحتج بالقرآن على ثبوت السحر ، ويعرض عن القرآن في نفيه السحر عنه صلى اللّه عليه وسلم ، وعده من افتراء المشركين عليه . ويؤول في هذه ولا يؤول في تلك ، مع أن الذي قصده المشركون ظاهر ، لأنهم كانوا يقولون : إن الشيطان يلابسه عليه الصلاة والسلام ، وملابسة الشيطان تعرف بالسحر عندهم ، وضرب من ضروبه ، وهو بعينه أثر السحر الذي نسب إلى لبيد ، فإنه خولط في عقله وإدراكه في زعمهم ) . والذي يجب اعتقاده أن القرآن مقطوع به ، وأنه كتاب اللّه بالتواتر عن المعصوم صلى اللّه عليه وسلم ، فهو الذي يجب الاعتقاد بما يثبته ، وعدم الاعتقاد بما ينفيه ، وقد جاء بنفي السحر عنه عليه السلام ، حيث نسب القول بإثبات حصول السحر له إلى المشركين أعدائه ، ووبخهم على زعمهم هذا ، فإذا هو ليس بمسحور قطعا . وأما الحديث فعلى فرض صحته ، هو آحاد ، والآحاد لا يؤخذ بها في باب العقائد ، وعصمة النبي من تأثير السحر في عقله عقيدة من العقائد ، لا يؤخذ في نفيها عنه إلا باليقين ، ولا يجوز أن يؤخذ فيها الظن والمظنون ، على أن الحديث الذي يصل إلينا من طريق الآحاد إنما يحصل الظن عند من صح عنده ، أما من قامت له الأدلة على أنه غير صحيح ، فلا تقوم به عليه حجة ، وعلى أي حال ، قلنا ، بل علينا أن نفوض الأمر في الحديث . ولا نحكمه في عقيدتنا ، ونأخذ بنص الكتاب وبدليل العقل ، فإنه إذا خولط النبي في عقله كما زعموا جاز عليه أن يظن أنه بلغ شيئا وهو لم يبلغه ، أو أن شيئا نزل عليه وهو لم ينزل عليه ، والأمر ظاهر لا يحتاج إلى بيان . إلخ ) « 1 » . وهذا الحديث الذي يرده الأستاذ الإمام رواه البخاري وغيره من أصحاب الكتب الصحيحة ، وليس من وراء صحته ما يخل بمقام النبوة ، فإن السحر
--> ( 1 ) تفسير جزء عم ص 181 - 192 .